رواية قمر على سمرقند PDF
الكاتب / محمد المنسي قنديل
عدد الصفحات / 713 صفحة
نوع الملف / PDF
رابط التحميل اسفل الموضوع
من الكتاب
مدينة زرقاء ونائية ، يلفها ضباب هش في الصباح ، وتصاعد منه أعمدة من الغبار اللافح عند الظهيرة ، ربما كن الغريب الوحيد في موقف سيارات الأجرة الشاسع ، يحيط بي جمع من السائقين ، وجوه بيضاء لوحتها الشمس وأكسبتها حمرة متقدة ، عيون لها تفسل زرقة المدينة الباهتة ، وفي كل فم يلمع سن من ذهب ، يحاول كل واحد منهم أن يعلو بصوته على الآخرين ، أشم رائحة عرقهم ولكنني لا أستطيع أن أفهم حرفا واحدا من كلماتهم ، ما أفهمه فقط هي تلك الأرقام التي يواصلون كتابتها فوق زجاج السيارات المترب ، خمسمائة ، أربعمائة وخمسون ، أربعمائة ، ولا يفوتهم أن يرسموا علامة الدولار بحوار كل رقم ، أعرف أنها أرقام مبالغ فيها ، قبل أن آتي إلى هنا حذرني الجميع من المساومات المضنية في موقف السيارات ، أنتطلع إلى الحافلة التي تقف على مبعدة وهي تستعد للانطلاق إلى أسمرقند " ، مكنسة بالبشر والحيوانات ، حاولت أن أركبها قبل أن أقف هكذا في موقف السيارات ، لم أطق مزيج الروائح العابقة بهاء لم أجد أيضا مسافة الفراغ أسكن فيها إلى نفسي ، يتقدم واحد من السائقين ويضع يده على كتفي ، يتحدث بلهجة عاطفية حميمة ، أشم رائحة أنفاسه المختلطة بالكحول ، يدق بيده على صدره ويقسم ، أتصور ذلك لأن كلمتي الله و القرآن تترددان بالعربية وسط كلماته بكثرة ، يطلب ثلاثمائة وخمسين دولارا مؤكدا أن هذا آخر رقم يستطيع التنازل عنه ، قبل أن يكمل إقناعه لي يدفعه الآخرون بعيدا ، تتحرك الحافلة مبتعدة بيا فيها من بشر وحيوانات ، تلوح لي طفلة صغيرة تجلس بجوار عزة أكبر منها وهما نطلان معا من النافذة ، تزداد وجوه السائقين اقترابها مني ، لم أكن أريد سوى الوصول إلى سمرقند " ، وتحول هذا الطلب البسيط بسبب جهلي باللغة والمكان إلى نوع من المستحيل ، أدخل الكراسة التي أدون فيها ملاحظاتي داخل الحقيبة و أضع الحقيبة على كتفي و أبحث عن مخرج من الطوق الذي يحيط بي تلتف حول معصمي أصابع ضخمة و قوية ، التفت مندهشا فأجد جسده الضخم وهو يقف بيني وبين الشمس ، يقول لي يثقة ويلغة عربية واضحة : ـ سآخذك إلى مرقد أن شاء الله


إرسال تعليق